ابن الجوزي
297
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
الرجل لقي الوكيل ، فقال له : إن الأمير قد أمر لك بشيء فائت بمن يحمله معك ، فقال : ما عندي من يحمل ، ثم انصرف إلى زوجته فأخبرها الخبر وجعل يلومها ويقول : ما أظنه أمر لي إلا بقوصرة تمر وقفيز بز وذهب ماء وجهي ، لو كانت / دراهم أعطانيها ، فقالت له 121 / أامرأته : يا هذا ، قد بلغ بنا الأمر ما ترى فمهما أعطاك فإنه يقوتنا ، فأتى الوكيل ، فقال : أين تكون ؟ أخبرت الأمير أنه ليس عندك من يحمل فأمرني أن أوجه معك من يحمل معك ما أمر به ، ثم أخرج إليه ثلاثة من السودان على رأس كل واحد منهم بدرة دراهم وقال : امضوا معه ، فلما بلغ الرجل باب منزله فتح بدرة منها فأخرج دراهم ودفعها إلى السودان وقال : انصرفوا ، قالوا : إلى أين ، نحن عبيدك ، إنه ما حمل مملوك للأمير قط هدية إلى أحد فرجع المملوك إلى ملكه . قال : فصلحت حال الرجل . ولما احتضر سعيد قال لبنيه : لا يفقدن مني إخواني غير وجهي ، فاصنعوا لهم ما كنت أصنع ، واجروا عليهم ما كنت أجري ، فاكفوهم مئونة الطلب ، فإن الرجل إذا طلب الحاجة اضطربت أركانه وارتعدت فرائصه مخافة أن يرد ، فوالله لرجل يتململ على فراشه يراكم موضعا لحاجة أعظم عليكم منّة منكم عليه بما تعطونه . أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب البارع ، أخبرنا أبو جعفر بن مسلمة ، قال : أخبرنا أبو طاهر المخلص ، قال : حدّثنا أحمد بن سليمان بن داود ، قال : حدّثنا الزبير بن بكار ، قال : حدّثني رجل ، عن عبد العزيز بن أبان ، قال : حدّثني خالد بن سعيد ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ببرد فقالت : إني نويت أن أعطي هذا الثوب أكرم العرب ، فقال : « أعطيه هذا الغلام » : يعني سعيد بن العاص ، وهو واقف . ومات سعيد بن العاص في قصره بالعرصة على ثلاثة أميال من المدينة ، ودفن بالبقيع ، وأوصى إلى ابنه عمرو الأشدق وأمره أن يدفنه بالبقيع ، وقال : إن قليلا لي عند قومي في بري بهم أن يحملوني على رقابهم من العرصة إلى البقيع ، ففعلوا ، وأمر ابنه عمرا إذا دفنه أن يركب إلى معاوية فينعاه ويبيعه منزله بالعرصة ، وكان منزلا قد انحله سعيدا ، وغرس فيه النخل وزرع وبنى فيه قصرا معجبا ، وقال لابنه : إن منزلي هذا ليس في العقد ، إنما هو منزل برة ، فبعه من معاوية / واقض عني ديني ومواعيدي ، ولا تقبل 121 / ب من معاوية قضاء ديني فتزودنيه إلى ربي .